محض استرسال

 

نص قديم ..أيام الهوس بلغة وعالم إبراهيم الكوني.

……………………..

ما حسبه نجماً عند الأفق…..استحال جذوةً من نار …فعلم أنه خسر الجولة مع الأفق .
يحلو للأفق أن يلاعب سليل الصحراء في رحلته التي لا تنتهي في مفاوز الصحراء.
فقد يرى العابر بئراً عند حد النظر..حتى إذا وصل إليه وهو يبشر النفس بجرعات السلسبيل…انقلب البئر حجراً .
وفي أحايين أخرى يقبل المسافر على خيمة تبدّت له في الأفق…فإذا بها رتمة تتلاعب بها نسائم الصحراء.
وقد يعكس الأفق اللعوب اللعبة…فيقلب البئر للمسافر كوز رمال..ويقلب النجوع للناظر أعواد رتم.
ولكن أهل الصحراء فطنوا لتلك الألاعيب و أطلقوا على ألعوبة الأفق: السراب..

ولكن علم أهل الصحراء بلعبة الأفق وجهودهم للفوز في هذه اللعبة لم تحمهم دائما من الوقوع في شرك الخطأ…
رغم أنهم كثيرا ما يفطنون لذلك مبكرا…فيسارعون إلى إخفاء إخفاقاتهم !!
ولأن أهل الصحراء الذين لم يعترفوا بفضيلة كفضيلة الصدق…اعترفوا للأفق بالفضل في بث المرح على رحلة عبورهم الأبدي في الصحراء….وكانوا دائما ما يروون صولاتهم وجولاتهم الخاسرة حول حلقات السمر في الليالي المظلمة.

ابتسم المسافر وهو يعلن انتصار الأفق في هذه الجولة متوعداً إياه بالهزيمة في الجولات التالية….رفع لثامه ليداري عن الأفق ابتسامة التسليم.
فكر في الانحراف بعيدا عن النار …فما أكثر ما سمعت الصحراء عن قبائل الجن وحيلهم لاجتذاب المسافرين ليلاً،
وفي أنها تستدرجهم، حتى إذا أتوا النار، استحالت الليل نهار، والنار جحيما، فيتقاذفون تعيس الحظ أزمانا في الهواء، حتى إذا ملّ أهل الجفاء من اللهو بالمسافر ذهبوا وتركوه بين الخبال والجنون..
روايات الرعاة المعمرين هذه جعلته يفكر في الابتعاد ..لولا أن سمع خوار جمل صاحب النار، فاطمأن وهو يعلم من قصص الخبراء في أهل ،الخفاء وحيلهم، أنهم يكرهون الجمل لصداقه مع الصحراويين وعداوته القديمة مع أهل الخفاء.

قبل أن يصل إلى دائرة الضوء حث جمله على إصدار خوار مماثل حتى لا يفزع صاحب النار.
وقبل أن يراه علم انه الشاهي على النار… رائحته الأخاذة كانت تفوح على النار فازداد طمأنينة إلى ماهية المضيف..
دخل إلى باحة الضوء وتقدم حتى حالت النار بينه وبين الرجل.
سارع إلى إلقاء السلام..وهو يبدي إعجابه بالتحية التي أنقذته من العجز في إيجاد ما يقول..
ولولاها لاحتار كل من ابتدأ في الكلام بما يبدأ…
رد الجالس عليه السلام بصوت عرف فيه الشيخوخة وان بدا فتيًا بشكل غريب..
دعاه إلى الجلوس بإيماءة من رأسه ..جلس ومد يديه إلى النار يقتبس منها الحرارة التي اختلستها الصحراء منهما…….فوجئ بالرجل يشيع إليه كأس الشاهي متوج برغوة مغرية….اخذ الكأس ورشف منه رشفة طويلة…
-“ما أجمل هذا الشاي..لم تعرف الصحراء شراب أفضل من الشاي…لكني اقسم أني لم أذق شايًا كهذا.”
لم يبد له أن صاحب النار قد سمعه..فتمادى
-“قلي ما السر في هذا الشاي ..هل نبتته مختلفة؟!”
واصل الشيخ صمته…
تمعّن في تلا فيف وجه الشيخ..فكانت النار تنيره له زمنا وتفر منه زمنا..وهي تتراقص بإغواء الريح…كان وجه الشيخ ملفلف باللثام كمسلك أهل الصحراء جميعاً الذين لم يعرفوا ذنباً كالسير بين ملّة الأنام برأس حاسر.
لم يبدوا له من الرأس إلا العينين…شاهد في العينين ألق…شاهد في العينين غموض…تحفّ العينين أخاديد نحتها سلطان الزمن ..الأخاديد تتشعب من العينين في كل اتجاه ..يهبط بعضها ليلتحم بالأنف ..ثم يواصل طريقه ليغيب تحت اللثام..بينما تتسلق أخاديد أخرى أديم الوجه لتتوارى تحت كثيف حاجبيه الغليظين.

وعندما طال صمت الشيخ…قرر سليل السبيل أن يتولى زمام الكلام ..علّه يحثه الشيخ الصموت على الرد…فبدأ كعادة أهل الصحراء إذا احتاروا في أي منطلق منه ينطلقون في الأحاديث لم يجدوا غير الحديث عن طقس الصحراء…فبدأ بالحديث عن رياح القبلي التي تعصف بالنجوع هذه الأيام…وكيف أن أهل الصحراء المعمرين صرحوا أن الصحراء لم تشهد لهبوب هذا العجاج مثيلا منذ عديد السنون ثم عرج عن الجذب التي يضرب الصحراء منذ أعوام….والذي كاد يقضي على ملة الأنام في هذه الأرض…لو لم تُرسَل الرحمة إلى الناس في غيمات عابرة…تغيب بسرعة..لتترك ورائها ارض رطبة لا تلبث أن تستعشب بالأخضر من الوريقات…لتنقذ من الملل الكثير:ملل الأنام والإنعام على حد سواء….. ولم ينس أيضا أن يروي أخبار الوباء الذي استشرى في الحمادة الحمراء..وكيف أنه قضى من رجال الصحراء بأكثر مما فعلت سيوف ورماح أهل الأدغال في غزواتهم الغادرة….وأنهى حديثة بأمثولة نسب أصلها إلى كتابا الحكمة المفقود-آنهي- مفادها..”أن ما تأخذه الصحراء بيد..إنما هو شيء وهبته بيد الجود أول الأمر”.
لكن محاولات سليل السبيل البطولة في استدراج المعمر إلى الدخول إلى ساحة الكلام..لم تؤوب إلا بالفشل…بل أنه لم ينل حتى همهمة استحسان على مقولته الختامية التي طالما اعتبرها من أثمن النصوص الموروثة عن كتاب الحكمة المفقود “آنهي”!
نظر الضيف إلى مضيفه فوجده قد شرد ببصره إلى الأرض و قد اجتبى من عيدان الرتم التي تتراقص فوقها ألسن النار عوداً جرّه على أديم الأرض ليزبر بأثره رموزا مجهولة..استعصت بالفهم على ابن السبيل…وإن ذكرته رسوم الأجداد على صلود الصخور في الجبال…امتدت يد معروقة من جلابيب الشيخ لتذهب بالرموز إلى غيهب المجهول عندما جرت عليها …وتذر مكانها رمالاً كحالها أول مرة…
لكن اليد الأخرى التي لم تترك عود الرتم بعد..استهلت العمران من جديد..فشيدت مدائن خيالية على لميس الرمال…وأقامت لها الأسوار..العالية ..وبرزة من بين البنيان مآذن..تحمل على عاتقها الأهلة.
استعجب العابر من رسوم الشيخ..
-“جميل…لم أرى أو اسمع بمثل ما لهذا البنيان..إلا ما سمعنا به من الدراويش عن بنيان “واو المفقودة”

لم يرد الشيخ هذه المرة أيضا….لكن الألق الذي ومض في عينيه ..والارتعاشة التي عاناها عود الرتم …جعلت سليل السبيل…يعرف أن هذا الشيخ ينتمي إلى تلك الملة التي لم تسعى يوما في الصحراء إلا بحثا عن تلك المدينة الأسطورية”واو الضائعة”..بين أصقاع القارة …وإنهم لم يروا أبدا نهاية للرحلة الأبدية إلاّ يوم يقفون على أسوارها الخفية.

امتدت يد سليل العابرين إلى جرابه لتخرج بمزمار….ناي من قصب..
ذلك أنه يعلم أن ما يقال باللحون لا يمكن أن يقال بعضلة اللسان..
ذلك أنه يعلم أن اللًحون لم تأت إلاّ من برزخ عجزت عضلة اللسان أن تلج إليه..

التأمت شفتاه عند طرف الناي ..نفنث فيها أوجاعه…أرسل في عود القصب فجيعته…فجيعة الوجود..وفجيعة البحث..وفجيعة الضياع….شكا عبثية السعي وراء باطل أباطيل يراه الناس حق…شكا وعورة السبيل…وقلة الزاد…
وتأوه في عود القصب بالحنين إلى واو….نحتت الأصابع التأوهات..لحوناً شجية…تنزف بالألم..!
لحوناً تحكي فصول الرواية…مذ أن جاء وحيدا…تحكي حكاية الضرب في شعاب هذه المتاهة المسماة دنيا.
والضياع…والحكم القاسي بالتّغرب الأبدي عن واو…والتشرد في جنبات الصحراء الجرداء..!

ومع اللحون تمايلت في عينين الشيخ الكائنات حول صاحب اللحون…تمايلت الجمال أولاً….تمايلت أعواد الرتم في شجيراتها…وأطلقت لحونها مع أنسام الريح التي تلاعبت بأوراقها….وتماليت حتى الصخور …والكهوف في الجبال البعيدة…وعرجت اللحون إلى الأنواء لتتمايل وتتراقص!

وقبل كل هؤلاء تمايل الشيخ …اعترت البدن رعشة…تشعبت في كل البدن..استبدت بالبدن حمى…امتزجت روحه باللحن ..فنسي البدن..وعند حضور الروح..يتوارى البدن…فانطلقت روحه تسابق اللحون في طيرانها عبر الوديان والقيعان والصحراء الجرداء..طافت به اللحون جوانب الصحراء…جابت به ما لم يره من قبل….جابت به ما لم يجبه إنسان من قبل…وعند نهاية الرحلة …في الأفق البعيد..تبدت له أسوار ليست ككل أسوار…وبنيان ليس ككل بنيان….بدت له واو وهي مشرعة أبوابها..لمريديها.
ومنها هبت نسائم عانقت روحه ..
ولكن سلطان الجسد استشعر الخطر فانتفض….عارك الروح ليعيدها….تقلب على الرمال…شد الروح بالأوتاد..!
لكن الروح التي عانت طوال أزمان…من التيه…والاحتواء…..لم تكن مستعدة للرجوع إلى وهق الجسد..!
غير أن اللحون توقفت…سليل السبيل عندما رأى ما يعاني الشيخ من اللحون توقف عن ذرفها….فنكست الروح إلى جسدها ومسكنها..عادت إلى الظلمة المخفية بين الظلمات الثلاث..إلى قبر الجسد..

ولما وعى الشيخ لحاله…انطلق من القلب نواح….خرج من القلب جرارًا إلى الفم أولا…ولكن الفم الذي حاز البطولات في بطولة الكتمان…لم يخن صاحبه هذه المرة أيضا…سادن الفم في ذلك متاريس من صخر ابيض..قبضة على اللسان…تلك العضلة التي لم يخن محنة الكتمان مثلها..!
ولكن النواح لم يستسلم …تسلق إلى العينين…سارعت العينين إلى وأدها قبل أن تولول بصرخة الوجود..أغلقت عليها أولا الجفنين…ثم أهالت عليها من أديم الوجه…حتى أحراش الحاجبين ساهمت في وأد تلك النظرة..
ولكن دماء الموؤدة…تخللت الأديم…ففزت من بينه دمعة حارة….سلك مسلكها الملتهب بين أخاديد الوجه.

توقف السرد.ـ

سبتمبر-2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *