اتصال من ساحة التحرير

يوم 21 رمضان 2011 خرجت من سجن بوسليم…جاء أبي بسيارته لأخذي من أمام السجن في أجواء مجنونة…كنت قبلها بساعة قد تحصلت على موبايل من أحد السجناء القدماء المسجونين لأسباب عسكرية فاتصلت به…
جاء أبي ومع أخوتي الذي أصرّوا على القدوم “مالك” 14 و”نسيبة” 9..بعد الأحضان وما يلزم اكتشف أبي أني لست وحدي

اصطحبت معي خمسة زملاء:
-محمد جمجوم -القلعة
– العارف الشاعري- بنغازي
– محمد الكوافي- بنغازي
– إبراهيم  -بنغازي
– أسامة التاجوي- مصراته

والأسباب كما لاحظتم أنهم من خارج طرابلس…آمر السجن في حينها كان متعاوناً جدا…قال “أي حد عنده وين يمشي يطلع..أو يتصل بحد يجي ياخذه.”

أخذت معي أكبر عدد يمكن أن تحمله السيارة..
ومع وجود اخوتي ..يمكنك تصور منظرنا في السيارة كيف كان ..لكن صدقاً من أجمل الانضغاطات اللي مررت بها في حياتي.
طوال الطريق كانت نسيبة التي جلست في حجري..تمسك يدي كل فترة وتبكي..هي فقط تريد أن تتأكد أنها لا تحلم وأني بجانبها فعلاً.

كل هاؤلاء الشباب كنت معهم في نفس الغرفة بعضهم لمدة ثلاثة شهور..
محمد جمجوم اللي اعتقل وهوا يحمل لاسلكي وماشي للقلعة ..

العارف الشاعري..أذكر أول مرة شفته كنت أظن أن عمره 70 أو شيء من هذا القبيل ..كان مريض باسهال حاد ولا يقوى على الحركة أصلا..
ثم اتضح لاحقا أن عمره لم يبلغ 50 وأنه عقيد في الجيش اعتقل في قمينس في دخلة الرتل يوم 19-3…دائم التنظيم، كل أشياءه مصنّفة وموضوعه في شكاير فوق رأسه..و لما خرجنا أخرجها معه ..وأنا الذي احتفظت بكندرتي طوال السجن واستخدمها نصف الغرفة كشبشب حمام الوضوء..سرقت مني في آخر يوم. .

محمد الكوافي البحار في سفينة مشهودة التي تنقل الوقود..اعتقل من السفينة وهي راسية في طرابلس بتهمة أنهم يتراسلون مع النايتو..محمد ولد البلاد التي ظل لا يدخن في السجن لشهرين لأنه ما يبيش يذل روحه ويطلب العكشة من حد ..يردد دائما كلمة مع فرج بوزهوة “no news” ويضحكوا ..
بو زهوة كان يخرج دائما للعيادة ..ويأتي بها ببعض الأخبار ..غالبا كاذبة ..لكنها بطعم الأمل كبريوش بالزبدة..

إبراهيم..الشاب الصغير عمره وقتها 19 سنة..مُسك في اجذابيا..قتل أصدقاءه اللي كانوا معاه في السيارة ..الصامت المؤدب
اللي تشاركت معه أول جلسة القرفصاء الحزينة -و الوحيدة- التي جلستها في السجن..وكانت أول يوم في رمضان..بعد المغرب
لأني تخيلت ..لا بل رأيت حال أمي وأبي وأهلي في اول افطار …لابد أن امي لم تأكل شيئاً.
لم نتبادل أي كلمات …لكنه كان يفكر فيما أفكر به…يجلس هناك وقد غلف رأسه بيديه.

أسامة التاجوري الصايع الطيب..ينام الجميع ولا ينام…يحكي لي عن مغامراته…كيف يصنع الفقر الإثم …كان صادقاً بها..لأن لا نبرة فخر في حديثه
يتحدث حتى يذهب ظلام الليل..يسكت فجأة ..يقولي ..اسمع ..تسمع فيه الصوت هيذا ؟..هذا صوت طائر..مش عادي في المكرونة.

خرجوا معي ..
بقوا في منزلنا يومين..قعدنا جميعا في مربوعتنا الخارجية حول التلفزيون لمتابعة الاخبار..أو نخرج نتمشوا في المزرعة .. بعد يومين رحلوا جميعا…كل لمدينته.

حدثت الإتصالات في أول يوم ..
المشاهد التي كل ثانية فيها لها ثقلها الخاص..
إبراهيم يأخذ موبايل أبي ويتصل بأهله في بنغازي…التغطية كانت سيئة كما تذكرون..عشرات المحاولات
تعرف من اتساع عينيه أن ينادي في الطرف الآخر..السلام عليكم أنا إبراهيم..
تسمع الصرخة في الطرف الآخر رغما عنك…صرخة فرح لأخته كما يبدو..لم تفقد الأمل عندما فقده الآخرين ..
ثم تعرف أن الهاتف انتقل لأمه ..لأنه غطى دموع عينه بيديه ..

يتكرر المشهد بصيغ مختلفة مع الجميع..

قريب لدينا يشتغل في بريد غريان ..أخذ رقم أبي وأعطاه لشخص ناشط في ساحة التحرير مع ملحوظة أن صاحب هذا الرقم لديه معلومات حرّفت عند النقل من “رقم واحد كان مسجون في بوسليم ” إلى “شخص عنده معلومات عن الشباب اللي مسجونين في بوسليم”..وقيل لي أنه الرقم أذيع في ساحة التحرير.

وبدأت الاتصالات تتوالى ..
كل اتصال بثقل أم تبحث عن ابنها..بحماس أم تنظر أن تسمع البشارة..
إذا فشلنا في التعرف على الاسم ..تنتقل للوصف طوله ..لونه ..ومتى قبض عليه …
التلفون أصبح ملك الجميع ..بشكل أساسي كان المكالمات تحول للعارف لأنه من بنغازي والأكبر سناً وربما يتعرف على أحد ويطمئن أهله عليه..

معظم الاتصالات كانت تنتهي ..بالتطمين اللي هوا نوع من الدعاء للمفقود وأهله ..”إن شاء تلقوه ..واحني خلينا هلبا شباب وطلعهم الآمر في باصات لمكان آمن ..وبإذن الله يتصل بيكم ولدكم”
هذا النوع من التطمين كان يجيده العارف..وهذا كان سبب آخر لتحويل مهمة الاتصالات إليه.

مع مرور الأيام ظلت الاتصالات مستمرة لكن في تناقص…
ومع كل اتصال كنت اشعر أكثر بالعجز وقلة الحيلة ..أنا شخص خرج من عشرة أيام من السجن ..ليس لدي معلومات إلاّ عن من خرج معي ..أو ضعفهم من من كان معي في الغرفة ..وهاؤلاء لا أدري أين هم الآن..
سمعت بعض القصص أن هناك سجناء خرجوا على أرجلهم …ولأنهم من خارج طرابلس قادهم حظهم السيئ لمناطق قتلوا بها لمجرد أن هيئة ولباس السجن فضحهم.

لا يمكنك يا صديقي أن تفهم عزيمة الأمهات …شيء لا يمكنك تخيل كم يبقى قوياً..كم يبقى حتى غير منطقي.

هناك أم ظلت تتصل لأسابيع …ودائما نفس نفس السؤال “شنو يا وليدي ما فيش جديد؟”
كل ما لدي من سبل بسيطة قمت به ..ذهبت لمؤسسة مسمية نفسها مؤسسة السجناء ..بلغتهم بالاسم وبرقم والدته..
لكني الآن أعرف كم كان الوضع مؤساوي وفوضوي..
لكن الأمر ظلت تتصل..وأنا استمريت بالرد بالدعاء والأمل..مثل أخبار السجن الكاذبة.

اتصالات من ساحة الحرية …
لا أعرف شيئا الآن عن العارف أو الكوافي أو إبراهيم ..
مزقنا عداوات أناس لا نعرفها…وبيننا أرتال وجراد لا أملكه أنا ولا هم..
أزعم أن لدي بيوت في بنغازي لو ذهب لهم لعشت فيها كأني ابنهم..لكني أخاف أن اذهب هناك…وربما خوفي غير صحيح لكن هذا ما تصنعه الحروب.

وسيكون رائعا دائما أن اتلقى اتصال من أم لأخبرها أن ابنها بخير.

7 مايو، 2019

التعليقات

    كان الأجدر أن أقرأها في البيت وحدي حتى لا أضطر لكبت دموعي أمام الزملاء
    شكرا لك يا محمد

    “طوال الطريق كانت نسيبة التي جلست في حجري..تمسك يدي كل فترة وتبكي..هي فقط تريد أن تتأكد أنها لا تحلم وأني بجانبها فعلاً” والله اقشعر بدني في السطر هادا وفي السطر الأخير “وسيكون رائعا دائما أن اتلقى اتصال من أم لأخبرها أن ابنها بخير. ”
    ربي يحفظك محمد ، استمر في الكتابة 💜

    مبدع… سلطت الضوء علي قصه ومشاعر وتجربه عاشها أُناس مثلنا في وسط تلك الحرب او الثوره سمها ماشئت… علي الاغلب لم يشعر بهم احد او لم يسمع عنهم غير اللذين عاشوا قصتهم خصوصا اللذين قلت عنهم (قادهم حظهم السيئ لمناطق قتلوا بها لمجرد أن هيئة ولباس السجن فضحهم).

اترك رداً على abughrara إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *